أبي حيان التوحيدي

307

المقابسات

فيحتاج معه إلى التدريج إليه ، والتمرين عليه . خصوصية هذه الصناعة رياضة الأنفس الناطقة على تأدية الافعال البشرية بصور مستصلحة لاكتساب الزلفى عند خالق البرية . لن يكفى أن تكون الغاية محدودة في نفسها موجودة بذاتها ، بل يجب مع ذلك أن تكون متصورة عند القاصد لها على ما هي عليه ، وأن تكون أيضا متشوقة محبوبة عنده . يجب أن تتعرف من درك الغاية أهو من جملة النعم أم ليس هو من جملة النعم ، وأنه إن كان من جملة النعم ، أهو مما ينال بحسب الاتصال أم بحسب التعويض أم بحسب المثوبة . هذا آخر التعليق عنه نضر اللّه وجهه ، وقد كان قادرا على هذا الجنس من الكلام لطول ارتياضه [ به ] وكثرة فكره فيه ؛ مع سيرة جميلة . ولقد ورد بغداد سنة أربع وستين وثلاثمائة في صحبة ذي الكفايتين « 1 » فلقى من أصحابنا البغداديين عنتا شديدا ومناكدة ، وذلك أن طباع أصحابنا معروفة بالحدة والتوقد على فاضل يرى من غير بلدهم ، وذلك كله جالب للتنافس ، مانع من التناصف ، وهو خلق تابع لهواهم ، وتراهم قد احتاجوا من أجل ذلك إلى علاج شديد ومقاومة طويلة ، وقل من يتخلص إلى غاية هذا الباب لغلبة الطباع ، وسوء العادة ، وشرارة النفس . والحكمة على ألسنتهم أظهر منها على أفعالهم ، ومطالبتهم بالواجب لهم أكثر من بذلهم الواجب عليهم ، وهذا باب وإن كان فاشيا في جميع الناس فكأنه في أصحابنا أفشا وهو من جهتهم أعدى ، وهو على ذلك لا يعشر واحدا منهم إذا برز في فن عشرة من غيرهم ، وإذا كان الكمال عزيزا في النوع كيف لا يكون عزيزا في الواحد ؟ نسأل اللّه خلقا طاهرا ، وعملا صالحا ، وعلما نافعا

--> ( 1 ) ذو الكفايتين : هو أبو الفتح بن العميد . راجع ترجمته في ص 12